القاضي التنوخي
36
المستجاد من فعلات الأجواد
فلما جلسنا نأكل لم أذكره إلى أن كاد الطعام ينقضي ، فقال لي هو مبتدئاً : يا بني شغلك الطعام عما قلت لك تذكرني به ؟ فقلت : لا ، ولكن أردت أن يكون ذلك على خلوة فقال : هذا وقت خلوة ثم قال : ألست أنكرت والحاضرون قيامي لأحمد بن أبي خالد في دخوله وخروجه وما عملته معه ؟ فقلت : بلى قال : كان هذا يتقلد مصر سنين ، فوليت أعمالها وصرفته عنها ، وقد كانت مدته فيها طالت فتتبعته ، فرأيت آثار رجل لم أر أجمل آثاراً منه ، ولا أعف عن أموال السلطان والرعية ، ولا رأيت رعية لعامل أشكر من رعيته له ، وكان الحسين الخادم المعروف بعرق الموت صاحب البريد بمصر أصدق الناس له مع هذا ، وكان من أبغض الناس " إلي " وأشدهم اضطراباً في أخلاقه ، فلم أتعلق عليه بحجة ، ووجدته قد أخر رفع الحساب لسنة متقدمة وسنته التي هو فيها ولم يستتمها لصرفي له عنها ، ولم ينفذه لي الديوان فسمته أن يحط من الدخل ويزيد من النفقات والأرزاق ، ويكسر من البقايا في كل سنة مائة ألف دينار